المحقق الحلي

35

معارج الأصول ( طبع جديد )

وكأنّي بك قد أوهمك الشيطان فضيلة الشعر ، فجعلت تنفق ما تلفق ، بين جماعة لم يعرفوا لك فضيلة غيره ، فسمّوك به ، وكان ذلك وصمة عليك آخر الدهر ، ألم تسمع : ولست أرضى أن أكون شاعرا * تبّا لها من عدد الفضائل فوقف خاطري عند ذلك ، حتّى كأنّي لم أقرع له بابا . ولم أرفع له حجابا ، وأكّد ذلك عندي ما رويته بإسناد متصل ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله دخل المسجد ، وبه رجل أطاف به جماعة ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : علّامة . فقال : ما العلّامة ؟ قالوا : عالم بوقائع العرب وأنسابها وأشعارها . فقال عليه الصلاة والسلام : ذلك علم لا يضرّ من جهله ، ولا ينفع من علمه . ومن البيّن أنّ الإجادة فيه تفتقر إلى تمرين الطبع ، وصرف الهمّة إلى الفكر في تناسب معناه ، ورشاقة ألفاظه ، وجودة سبكه ، وحسن حشوه ، تمرينا متكررا ، حتّى يصير خلقا . وكما أنّ ذلك سبب الاستكمال فيه ، فالإهمال سبب القصور عنه . وإلى هذا المعنى أشرت في جملة أبيات : هجرت صوغ قوافي الشعر مذ زمن * هيهات يرضى وقد أغضبته زمنا وعدت أوقظ أفكاري وقد هجعت * عنفا وازعج غربي بعد ما سكنا إن الخواطر كالآبار إن نزحت * طابت وإن يبق فيها ماؤها أجنا فاصفح شكرت أياديك التي سلفت * ما كنت اظهر عيبي بعد ما كمنا ولمكان إضرابي عن نظمه ، وإعراضي حتى عن ذكر اسمه ، لم يبق إلّا ما هو حقيق أن يرفض ولا يعرض ، ويضمر ولا يظهر ، لكنّي مع ذلك أورد ما أدخل به في حيّز الامتثال ، وإن كان ستره أنسب بالحال . فمنه : وما الإسراف من خلقي وإنّي * لأجزأ بالقليل عن الكثير ولا أعطي المطامع لي قيادا * ولو خودعت بالمال الخطير